المقريزي
205
المقفى الكبير
شديدا من قلّة الماء والعلف . فورد الخبر بمواقعة الأفشين للروم في خامس شعبان وظفره ، وأنّه قتل من الروم أربعة آلاف ، ثمّ قدم الأفشين على المعتصم من الغد ، وهو بأنقرة فأقاموا ثلاثة أيّام ، ثمّ جعل [ 184 أ ] المعتصم العسكر ثلاث فرق : فرقة فيها أشناس في الميسرة ، وفرقة في الميمنة مع الأفشين ، وركب [ هو ] في القلب ومعه فرقة . وجعل بين كلّ فرقة وأخرى فرسخين ، وأمر كلّ عسكر من هذه الثلاث فرق أن تكون له ميمنة وميسرة ، وأن يحرقوا القرى ويخرّبوها ، ويأخذوا من فيها ، فيما بين أنقرة وعمّوريّة ، ومسافة ما بينهما سبع مراحل . ففعلوا ذلك حتّى وافوا عمّوريّة لستّ خلون من شهر رمضان في جمع عظيم ، قيل : تسعمائة ألف ، وقيل : أزيد من ثلاثمائة ألف . فقدمها أوّلا أشناس ، ثمّ تلاه المعتصم ، وبعده الأفشين ، فأحاطوا بها ، وجعل لكلّ قائد برج . فدلّ بعض من كان بعمّوريّة من المسلمين المعتصم [ على ] موضع من السور قد وقع ، فضرب خيمته تجاه ذلك الموضع ، ورمى عليه بالمجانيق حتّى تصدّع السور . فكتب متولّي عمّوريّة إلى ملك الروم بذلك ، ويعلمه بأشياء من أمورهم ، وسيّره مع رجلين من ثقاته . فظفر بهما المعتصم وبالكتاب ، فأمر لهما ببدرة - وهي عشرة آلاف درهم - وخلع عليهما ، وقد أسلما ، وأمر بهما فطافا حول عمّوريّة حتى رآهما الروم فسبّوهما . وألحّ الرمي على السور حتّى انهدم ما بين برجين . وكان المعتصم قد طمّ الخندق بجلود الغنم المملوءة ترابا « 1 » . وعمل دبّابات كبارا تسع الواحدة منها عشرة رجال فدحرجها الرجال على تلك الجلود لتمرّ إلى السور ، وعمل سلالم وقاتلهم على الثلمة ، وجمع المجانيق عليها ورمى بها . وقاتل أشناس أوّلا ، ثمّ عقبه الأفشين من الغد ، فقاتل بمن معه ، والمعتصم واقف على دابّته في قوّاده . فقال عمرو الفرغانيّ : الحرب اليوم أجود منها أمس ! فشقّ ذلك على أشناس ، وكتم ما في نفسه حتّى انصرف عندما انتصف النهار فيمن انصرف ، وسبّ الفرغانيّ وأحمد بن الخليل ، فغضبا منه ، وتآمرا في أن يقيما العبّاس ابن المأمون . وركب المعتصم من الغد ، فكانت نوبة أيتاخ ، فاشتدّت الحرب واتّسع هدم السور ، وكثرت الجراحات في الروم ، فوقع بين بطارقهم الخلاف ، وخرج أحدهم بأصحابه إلى المعتصم فأكرمه وأركبه فرسا . وحمل على السور ، فاقتحم المسلمون المدينة من الثلمة . وملكوا عمّوريّة عنوة في يوم الثلاثاء سابع عشرين رمضان . فحرّقوا كنيستها على من فيها . وأخذ باطش متولّي عمّوريّة وسبق هو والأسارى والسبي بعد ما أخذ الروم السيف ، فعزل المعتصم أكابرهم وقتل من سواهم ، فبلغت عدّة القتلى ثلاثين ألفا ، وعدّة السبي مثل ذلك ، فيهم ستّون بطريقا ، فضرب أعناق أربعة آلاف ونيف من الأسرى ، ولم يزل يقتل فيهم في مسيره ويحرق ويخرّب . وبيعت الغنائم مدّة خمسة أيّام ، وأحرق ما بقي ، وهدّمت عمّوريّة وأحرقت . ورحل عنها بعد ما أقام عليها خمسة وخمسين يوما . وفرّق الأسرى على القوّاد ، وحمل باب عمّوريّة إلى بغداد فعمله على أحد أبواب دار الخلافة ، وسار نحو طرسوس في يوم السبت ثالث عشرين شهر رمضان . فبلغه ما همّ به الفرغانيّ وغيره [ 184 ب ] من مبايعة العبّاس ابن المأمون ، وأنّهم تواعدوا على
--> ( 1 ) الطبريّ 9 / 65 .